الجمعة، 16 نوفمبر 2012

ما بين الفعل وحرف الجر في اللغة العربية: الأفعــال الحَــروفية




إعادات رؤية في النحو العربي (1)








ما بين الفعل وحرف الجر في اللغة العربية:

الأفعــال الحَــروفية




الرَّيَّح عبد القادر عثمان




















مقـــــدمة

هل ينحصر دور حروف الجر في "الجر"، أم أنه يتجاوز مجرد "العمل" النحوي، ليدخل في مجال "الوظيفة" الدلالية؟

هل لحرف الجر القدرة على تغيير دلالة الفعل القاموسية وإكسابه دلالة مغايرة؟ في حال الإيجاب: ما حجم هذه الظاهرة وما مقدار أهميتها؟ وكيف ينبغي التعامل معها وفيمَ تفيد دراستها؟

وهل تمثل هذه العلاقة الدلالية بين حرف الجر والفعل وجهاً من أوجه التشابه في السلوك النحوي-الدلالي بين الفعل في اللغة العربية ونظيره في اللغة الإنجليزية، التي تعرف ما يسمى بـظاهرة "أفعال العُبَيْرة" (phrasal verbs)؟

عندما نقول: "قام شخص بزيارة"، بمعنى أدى وفعل، هل الدال على فعل الزيارة، من وجهة نظر علم الدلالة، هو الفعل "قام" وحده أم أن ذلك المعنى لا يتحقق إلا بمشاركة الحرف "ب"؟ بعبارة أخرى: هل الفعل "قام" والحرف "ب" يشكلان، معاً، دالاً واحداً مركباً من وحدتين  (قام + بـ) للدلالة على مدلول واحد (فعل الزيارة)؟

هل يوجد فرقٌ أساسي في البنية الدلالية بين "قام بـه " و "قام له"؟

***

يزعم هذا البحث المتواضع بأن النحو العربي، قديماً وحديثاً، أجمل الحديث في الحرف بإخلال، ولم يتوسع في تعريفه وتوضيح فئاته وتقصي الدور الوظيفي الذي يلعبه؛

وأن حرف  الجر يتحد في أحيانٍ كثيرة مع الفعل ليشكلا معاً دالاً مركباً واحداً جديداً، له مدلول جديد غير ذلك الذي يؤديه الفعل منفرداً؛

بتعبير آخر، أن لحرف الجر "عملاً"، من المنظور النحوي، يتعلق بالاسم، كما أن له وظيفة، من منظور علم الدلالة، تتعلق بالفعل؛

وأن هذه الظاهرة تشبه إلى حد كبير ظاهرة أفعال العبارة المعروفة في اللغة الإنجليزية، مع وجود اختلافات كبيرة؛

وأن عبارتي "قام به " و "قام له"، رغم اتفاقهما التام من حيث تركيبهما النحوي، تختلفان اختلافاً جوهرياً من حيث بنيتهما الدلالية: فـفي قولنا "قام بالشيء" يكون حرف الجر، الباء، جزءاً لا يتجزأ من دال واحد، "فعلي-حرفي"، يشير إلى حدث غير حدث الاعتدال أو الوقوف (أو غيرهما من المعاني المجازية) الذي يدل عليه الفعل "قام" وحده: هو الأداء أو الإنجاز أو الاضطلاع بالشيء؛ أما حرف الجر، اللام، في "قام له"، بمعنى وقف أو اعتدل من أجله أو احتراماً له، فإن علاقته بالفعل علاقة مجاورة سياقية مستقلة (مُسايقة)، ليس من شأنها أن تصرف معنى الفعل "قام" عن الدلالة على الوقوف/الاعتدال؛ فالعلاقة بين الفعل ولام الجر هنا، على نقيض تلك الكائنة بين الفعل وباء الجر هناك، ليست علاقة اندماج دلالي، بل هي علاقة دالين متجاورين - لكنهما مستقلان - يربطهما سياق نصي واحد، ويساهمان، كل على حدة، في التركيب النحوي لذلك السياق (الإسناد، التعدية  غير المباشرة، الجر الواقع على الاسم) وفي الدلالة التي ينطوي عليها (ما فهمناه من أن القيام كان من أجل الشخص الآخر أو بسببه).

ولمزيد من توضيح الفكرة، منذ هذا الاستهلال، دعونا ننظر إلى (أم ننظر في؟)[1] معاني الفعل "عرض" كما جاءت في مختار الصحاح:
"عَرَضَ له كذا أي ظهر و عَرَضْتُهُ له أظهرته له وأبرزته إليه يقال عَرَضْتُ له ثوبا مكان حقه وثوبا من حقه بمعنى واحد و عَرَضَ البعير على الحوض وهو من المقلوب والمعنى الحوض على البعير وعَرَضَ الجارية على البيع وعرض الكتاب وعرض الجند إذا أمرهم عليه ونظر ما حالهم و اعْتَرَضَهُم و عَرَضَهُ عارِضٌ من الحمى ونحوها و عَرَضَهُم على السيف قتلا كل ذلك من باب ضرب و المِعْرَضُ بوزن المبضع ثياب تجلى فيها الجواري...".

يمكننا، من خلال المعجم ورصد الاستعمال الجاري، تقديم دوال الفعل "عرض" (شجرة دواله) على النحو التالي:

أولاً: الدوال الفعلية العامة (البسيطة):
1/ عرض = بدا وظهر؛ أظهر، ومنه قوله تعالي: "وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرض[2]اً". يدل ذلك على أن عبارة "عرض له المشروع" لا تساوي "عرض عليه المشروع" وأنها تعني الكشف والإظهار بغرض الإعلام والإفهام، ولا تعني، بدلالة ألفاظها، التسويق أو طلب الاستحسان أو محاولة الإقناع بالمشروع المذكور؛

ثانياً: الدوال الفعلية الاصطلاحية (المركبة):
أ. الأفعال الحرفية:
1/ عَرَضَ لِـ :
أ‌)       عَرَضَ له (عَرْضاً) = ظهر، بدا له
                        = أظهر وأبرز، ومنه: "وعَرَضْنا جهنم يومئذ للكافرين عَرْضاً"، قال الفراء: أَبرزناها حتـى نظر إِلـيها الكفار. لسان العرب ج 7 ص 185.
ب‌)  عرض للموضوع = تطرق إليه، تحدث فيه
ت‌)  عرض له شك أو ما شابهه
ث‌)  عُرِضَ له (عَرَضاً) = أصابه مسٌّ من الجن. وفـي حديث خديجة رضي الله عنها: "أَخاف أَن يكون عُرِضَ له" أَي عَرَضَ له الـجنّ وأَصابَه منهم مَسٌّ. لسان العرب ج 7 ص 184.
ج‌)    عَرَضَ له (عَرَضاً) عارِضٌ من الـحُمَّى وغَيرها وعرض له أمر فأخَّره = حدث له. قال الأَصمعي: العَرَضُ الأَمر يَعْرِضُ للرجل يُبْتَلـى به؛ قال اللـحيانـي: و العَرَضُ ما عَرَضَ للإِنسان من أَمر يَحْبِسُه من مَرَضٍ أَو لُصُوصٍ. لسان العرب ج 7 ص 169
ح‌)    عَرَضَ لك الـخيرُ (يَعْرِضُ عُروضا)= أشرف؛ تسنى لك، أمكنك فعله
خ‌)    عرض له اللصوصُ = تعرَّضوا له
د‌)      عرض للرجل = شتمه وآذاه؛
ذ‌)      عرضَ له الفرسَ عرضاً = اعترض به طريقه. ومنه حديث سُراقة: أَنه عَرَضَ لرسول الله وأَبـي بكر الفَرسَ أَي اعْتَرَضَ به الطرِيقَ يَمْنعُهُما من الـمَسِير. لسان العرب ج 7 ص 167

2/ عرض على
أ‌)       عَرَضَ الشيءَ علـيه يَعْرِضُه عَرْضاً = أَراهُ إِيّاه
ب‌)  عرض عليه شيئاً أو أمراً (وظيفة...الخ) = اقترحه عليه
ت‌)  عرض عليه جواداً = سامه
ث‌)  عرض المسألة عليه = أحالها إليه طالباً رأيه.
ومن هذا المعنى: الـمَعْرِضُ، وهو الـمَكانُ الذي يُعْرَضُ فـيه الشيءُ؛ والـمِعْرَضُ: الثوب تُعْرَضُ فـيه الـجارية وتُـجَلَّـى فـيه، والأَلفاظ مَعارِيضُ الـمَعانـي، من ذلك، لأَنها تُـجَمِّلُها. لسان العرب ج 7 ص 182.
وتجب ملاحظة أن الفعل "عرض" المصحوب بحرف الجر "على" يحمل معنىً "إيجابيا" يشير إلى عرضٍ هدفه نيل الاستحسان وما إليه، بعكس "عرض لـ" الذي يحمل معنىً "محايداً"؛ ولذلك فإن "على" لا يمكن أن تحل محل اللام في الآية الكريمة: "وعرضنا جهنم يومئذٍ للكافرين عرضاً".

3/ عرض من = قايض: عَرَضَ من سلعته: عارَضَ بها فأَعْطَى سِلْعَةً وأَخذ أُخرى. ومنه قولهم "عَرَضْتُ له من حَقِّه" بمعنى البدل، وقولهم "نـحن نَعْرِضُ منه فاعْتَرِضُوا منه" أَي اقْبَلُوا الدية. لسان العرب ج 7 ص 168

3/ عرض بـ : عرض به = تكلم عنه مستخدماً التورية وهو يعنيه


عرض للبيع
عرض على (النار، السيف، السوط) = حرٌّق، قتل، ضرب


ب. أفعال العبارة:
  1/ عرض الجند = مصطلح عسكري قديم، لا ينطبق، بالكيفية الموصوفة، على مصطلح "عرض عسكري" الحديث. ويجب هنا ملاحظة أن الفعل "عرض" لا يحمل هذا المعنى الاصطلاحي العسكري منفرداً، بل حين يكون مصحوباً بملازمه الضروري "جند"، الذي سنسميه فيما بعد لأغراض هذا البحث "المسايق"؛ وبهذا فإن القيمة والهوية الاصطلاحية// تكمنان في المفردتين حال ترافقهما، وتنأى عنهما حال افتراقهما (*عرض الطلاب/ *عــرَّض الجند). ويجب أيضاً ملاحظة أن حرف الجر "على" في قولنا "عرض الجند على الأمير" لا يماثل في وظيفته الدلالية حرف الجر "على" في "عرض عليه المشروع"، إذ أن المعنى الاصطلاحي لـ "عرض الجند" قد تم بوجود الفعل والاسم، دون الحاجة إلى الحرف، الذي يلعب بالتالي دوراً نحوياً ودلالياً منفصلاً (التعدية غير المباشرة). أما "على" في "عرض عليه المشروع"، فإن وجودها ضروري لبيان نوع "العرض"، فإذا اكتفينا بـ "عرض المشروع" لم ندر أعرضه له أم عليه، والفرق بين "عرض له" و"عرض عليه" إن هذه الأخيرة تنطوي على توقع الاستحسان أو القبول أو الشراء كما أسلفنا.

2/ عرض على السيف = قتلهم (لا يقال: "*عرضهم على السهم/الرمح"، كما لا يتأتى المعنى نفسه لو قلنا: "عرضهم للسيف*").
3/ عرضهم على السوط = ضربهم به (لم نسمع بـ "عرضهم على العصا")
4/ عرضهم على النار = أحرقهم فيها
5/ عرض على البيع (في اللغة القديمة) أو للبيع (في اللغة الحديثة)


وهكذا رأينا كيف انتقل الفعل "عرض" من معنى الإظهار الحقيقي في "عرضنا جهنم"، إلى معنى الظهور المفاجئ أو الحدوث الطارئ "عرضت له مشكلة فتأخر عن الموعد"، مروراً بمعنى التطرق إلى الموضوع،  ومعنى الإظهار "التسويقي" - إذا جاز التعبير- المقصود به الإقناع، ثم الإظهار بكيفية محددة "تقنياً" في المصطلح العسكري "عرض الجند"، وأخيراً ورود الفعل "عرض" ضمن عبارة مكونة من ثلاث مفردات بعينها تحمل دلالة اصطلاحية مجازية محددة. ولقد رأينا كيف لعب حرف الجر دوراً أساسياً في انتقال المعنى: فاللام في "عرضنا...للكافرين" لا دور لها في تحديد المعنى، إذ هي تعلب دور الأداة المستقلة التي تربط بين الفعل ومسايقه[3]. أما اللام في "عرض له أمر فتأخر" فهي لم تكتف بكونها أداة إسناد بين الفعل والمسايق، بل أصبحت جزءاً من "دال فعلي" جديد لمدلول جديد. بناء على ذلك، يكون باب "ع ر ض" يحتوي على شجرة دلالية تتكون مما أقله أحد عشر دالاً فعليا ومثلها من المدلولات:
 1. فعل بسيط بدلالة عامة: عرض؛
2. عبارة مصطلحية متخصصة: عرض الجند؛ عرض على البيع/ للبيع
3. عبارة اصطلاحية مجازية: عرضهم على السيف/النار/السوط
4. فعل حرفي 1: عرض له أمر
5. فعل حرفي 2: عرض لـلأمر
6. فعل حرفي 3: عرض على
7. فعل حرفي 4: عرض بـ
8. فعل حرفي 5: عرض من.

هذا ما رأيناه في الفعل "عرض"، ومثله كم كثيف من الأفعال الحرفية تعج به لغة الضاد القديمة والحديثة[4]:
قام بـ/ قام على
اهتم بـ (من الاهتمام) / اهتم لـ (من الهم)
أشار إلى (أومأ)/ أشار على بـ (نصح)
اتفق مع/ اتفق لـ
عرف له به = أقر
عرف له = جازاه
وقف في/ وقف على/ وقف لـ/ وقف من/ وقف دون
أتى على / أتى بـ
تردد في / تردد إلى (مكان) / تردد على (شخص)
رد على / رد إلى
قصد إلى / قصد في
أكد / أكد على (شدد)
عطف على/ عطف إلى
رسا (في أو عند: السفينة)/ رسا على (المناقصة)
سهر (الليل)/ سهر على
أخذ على/ أخذ عن / أخذ بـ/ أخذ في
اعتمده / اعتمد عليه
تعرَّف على/ تعرَّف إلى
عاد لـ / عاد إلى
أثّر على (أقنعه أو كفه) /أثر في (فيزيائياً، نفسيا، عاطفياًً...الخ)
كشف عن (خطة)/ كشف على (مريض)
وصل بـ (وصلاً) / وصل إلى (وصولاً)
رغب في/ رغب عن/ رغب إلى/ رغب بـ...عن
قال عن/ قال في / قال على/ قال بـ
عمل بـ (القانون)/ عمل على (إجازة القانون)...الخ


ويجب هنا ملاحظة أن استخدامنا تسميتي "فعل حرفي" في مقابل " فعل عبارة " قصدنا منه أن يشير إلى اختلاف الكم والكيف البنيويين بين هذين الصنفين من الدوال الفعلية (بالرغم من كون الفعل الحرفي نفسه يمكن أن يشكل نوعاً من العبارة، أو العُبيرة)، فالأول يتكون من فعل وحرف جر(في أحيانٍ قليلة يتكون من حرفين)، فيما يتكون الثاني من فعل زائداً ما هو أكثر من الحرف الواحد (فعل +اسم/شبه جملة...الخ)، ومن أمثلة أفعال العبارة: لم يلقِ بالاً لـ، أخذ على عاتقه، ألقى نظرة على، وضع في الاعتبار...الخ[5]. وبغض النظر عن اختلاف الكم البنيوي (عدد المفردات المكونة) والكيف البنيوي (نوع المفردات، الأسلوب، المجاز، ...الخ) في عبارتي "عرضَ+الجندَ" و"عرض+على+السيف"، فإن كلاهما يدل على معنى الفعل بكيفية مصطلح عليها. فهما تتفقان في الهوية الدلالية، من حيث أن كلاهما فعل عبارة، وتفترقان في القيمة الدلالية: للأولى قيمة المصطلح "التقني أو المتخصص" وللثانية قيمة الاصطلاح المجازي. فالسبب إذن وراء إيثارنا تسمية هذه الدوال الفعلية بالأفعال الحرفية، وليس أفعال عبارة، كما هو الحال في الإنجليزية، هو سبب عملي: هو إرادتنا، لدواعي التصنيف، جعلَ الأفعال الحرفية فئة مستقلة؛ وهو أيضاً شكلي: يتعلق بكم ونوع المفردات المكونة لها[6].
علاوة على ذلك، نود التنبيه إلى أننا سوف نضطر أيضاً إلى تمييز قسم ثالث هو العبارات الفعلية، وهي تلك الجمل الفعلية التي تجري مجرى الأمثال والأقوال المأثورة والكنايات والاستعارات السائرة (عاد بخفي حنين؛ تمخض الجبل فولد فأراً؛ رضي من الغنيمة بالإياب؛ طفح الكيل؛ بلغ السيل الزبي...الخ)، والتي هي في الحقيقة ليست فقط جملاً تامة في مبناها ومعناها، أو جملاً مفيدة، بالمعنى النحوي، وإنما هي وحدات مستقلة عن السياق (معناها "جاهز ومكتمل" لا يعتمد على السياق) ومحايدة نحوياً (لا سبيل إلى مراجعتها نحوياً وإن اشتملت على خطأ) ومصمتة (ليست لديها "عُرىً" لربطها بالجوار السياقي ولذلك لا يمكن تصريفها إلا بقدر محدود: عدنا/عادوا بخفي حنين) وأقرب ارتباطاً بالسبوق منها بالرهون، وتنطوي على قيمة ثقافية وعلى محتوىً تعبيري ومجازي، فهي بالأحرى تقنية وليست أدبية. هذه الجوانب وغيرها هي التي تجعلها مختلفة عن أفعال العبارة التي تتخذ شكل "قوالب" أسلوبية مرتبطة بالسياق. وسنعرض لهذه المشكلة التعريفية باستفاضة في آخر فصول القسم الثاني من هذا البحث.

وهكذا تكتمل قائمة الدوال الفعلية التي يعتمدها هذا البحث:
-         فعل أساس: وقف
-         فعل مشتق: استوقف...الخ
-         فعل حرفي: وقف على...الخ
-         فعل عبارة: وقف منه موقفَ (المتفرج)
-         عبارة فعلية: وقف حمار الشيخ في العقبة

ولا يخفى أن مجال هذا البحث ينصب في المقام الأول على الأفعال الحرفية ضمن هذه الدوال.

و لا يعزب عنا كيف أن هذا "الإكثار الدلالي" للفعل قد لا يفتأ يخترقه خيط رقيق من المجاز، يمر عبر كل المدلولات - وإن تباينت حتى بدت منفصلة - فيكسبها لحمةً واحدة، هي وحدة الأصل الدلالي رغم بعد الشقة أحياناً. فكل معاني باب "ع ر ض"، على سبيل المثال، ربما تجد أصلها في "العُرْض" الذي هو غير الطول، فكأن كل ما "يَعْرِض" إنما يُظْهِر لنا "عُرْضَه".


لكن ما هي الأهمية العلمية والعملية لدراسة الأفعال الحرفية وأفعال العبارة وغيرهما مما سوف نسميه فيما بعد بالأفعال اليتيمة والأفعال الميتّمة وأفعال الإسناد الحصري؟

إن مثل هذه الدوال الفعلية المركبة (أخذ بـهذا القول، أخذ هذا القول عن، أخذ في النفاذ، أخذ عليه كذا، أخذ في الاعتبار، أخذ بعين الاعتبار، أخذ على عاتقه، أخذ بتلابيبه، أخذه الله بذنوبه...الخ) قد لا تقل أهميةً عن أهمية الدال الفعلي المفرد المجرد (أخذ)، ولا عن مشتقاته المفردة المزيدة: اتّخذ، آخذ. ولربما أمكننا، افتراضاً، أن نستغني عن الفعل البسيط "أخذ" ونستخدم عوضاً عنه بعضاً من مرادفاته الكثيرة، مثل: "نال"، "تناول"، "نزع" "انتزع"..الخ. لكن ماذا سنفعل حينها بدواله المركبة التي ذكرناها للتو أعلاه؟ إن الفعل البسيط، في كثير من الأحيان، ما هو إلا أكمة وراءها ما وراءها، أو ما هو إلا باب يفضي إلى طوابق وغرف ودهاليز مليئة بالدوال والمدلولات الفعلية.  فـ (ضرب)، ليس هو كل شيء في باب "ض رب"، بل هو دال واحد ضمن حشد كبير من الدوال المختلفة المدلولات: "ضرب بـ، ضرب في الأرض، ضرب في سبيل الله، ضرب به عرض الحائط، ضرب الذكر صفحاً، ضرب إلى الحمرة، ضرب موعداً، ضرب أخماساً في أسداس...الخ".

تأسيساً على ما تقدم، فإن أي قاموس للغة العربية لا يُعنى بإثبات كلَّ الدوال الأصلية، وكل الدوال المركبة، لدى تعرضه لأي فعل من الأفعال، سيكون قد فرق تفريقاً متعسفاً بين دوال فعلية ربما تكون متساوية في الأهمية من حيث استخدامها في اللغة أو ربما تتفاوت في الأهمية على نحو غير الذي ظنه مصنف القاموس؛ فيكون هذا الأخير، بالتالي، قد قصر، دون عذر، في إيفاء ذلك الفعل حقه من التشريح الدلالي باستيفاء كافة دواله، ويكون أسهم، من خلال ذلك التقصير، في إيجاد حالة من التناقض، أو تكريسها، بين اللغة والكلام[7]، ما يؤدي إلى وضع لا يعود فيه مستخدم اللغة قادراً على التفريق بين "وصل القاهرة" و"وصل إلى القاهرة"، وبين "نظر إلى" و"نظر في"، أو بين "أخذ في الاعتبار" و"أخذ في البكاء"، أو بين "أخذ على عاتقه" و"أخذ على كتفه".

إذن، فإن من شأن التعرُّف على الأفعال الحرفية ودراستها (وكذلك التعرف على أفعال العبارة ودراستها) أن يساعدا في تطوير التصنيف المعجمي، وبالتالي تقليل مقدار التناقض بين المستويين المنهاجي والنتاجي في اللغة.

إن الأفعال الحرفية في اللغة العربية هي حقيقة دلالية وبنيوية راسخة في السبوق والرهون[8]، مثلما هي كذلك في نظيرتها الإنجليزية. ومن شأن العناية باستقصاء ما تحويه اللغة العربية، القديمة والحديثة ، وكذلك ما تحويه لهجاتها العامية، أن تثري هذه اللغة، لاسيما أن الأفعال الحرفية فيها، على النقيض من نظيرتها الإنجليزية، تنتمي إلى مستوىً مرموقٍ من مستويات التعبير.

***

سنحاول في هذا البحث دعم هذه الرؤية للعلاقة الوظيفية الدلالية بين الفعل وحرف الجر، مع التنويه، منذ البداية، بأن هذا الموضوع يحتاج إلى الكثير جداً من الاستقصاء والدراسة. لكن قبل أن ندخل في صلب الموضوع، سوف نسمح لأنفسنا، في فصول القسم الأول، باستجلاء ماهية الحروف، حسبما تشهد به كتب التراث النحوي العربي، واستبيان العلاقة بينها وبين الفعل وأقسام الكلام الأخرى، واستجلاء معانيها، وحقيقة ما أشيع من إحلال بعضها مكان بعض، معلقين على كل ما عرضنا له من أقوال النحاة، ومتلمسين بعض الاستنتاجات التي تشكل حلقة ربط بين ما خرجنا به من التراث النحوي وبين دراستنا "للأفعال الحرفية" العربية التي ستأتي في القسم الثاني. وبعد فراغنا من التعريف بالأفعال الحرفية وحشد الأمثلة وتحليلها، سوف نعرض، بإيجاز، لظاهرة مماثلة في الإنجليزية هي ما يسمي بأفعال العبارة، Phrasal Verbs، بهدف المقارنة بين هذه وتلك، تعميقاً لفهم الظاهرة على مستوىً آخر أفقي، وسبراً لطرائق تجليها في لغتين جد مختلفتين. ثم سوف نعنى، في آخر فصول هذا القسم، بمناقشة المصطلحات والمسميات الرئيسة التي استخدمناها في صلب البحث، شارحين ما يكمن وراءها من المدلولات والمفاهيم، ومبينين دواعيََ لجوئنا أحياناً إلى اعتماد تسميات قد لا تكون مسبوقة.

ونختم البحث بخلاصة موجزة، يعقبها ملاحق أربعة: نقدم في أولها مسرداً بما تيسر لنا جمعه من "الأفعال الحرفية" في الوضعين السبوقي والرهوني للغة العربية؛ ونقدم في الملحق الثاني طائفة نموذجية من أفعال العبارة  والعبارات الفعلية؛ ثم نعرض في الملحق الثالث نموذجاً لشجرة دلالية لأحد الأفعال في اللغة العربية - الجذر "ض رب" - بوصفه مثالاً للإكثار والسلوك الدلاليين للفعل في اللغة العربية، إكثاراً بالوسائل الأسلوبية عن طريق المجاز والاصطلاح، وإكثاراً صرفياً بتطويع الاشتقاق، وأيضاً إكثاراً معجمياً عن طريق التصرف في السياق النصي وتطوير العلائق التبادلية بين أقسام المفردات المعجمية؛ ثم نقدم في الملحق الأخير مسرداً مشروحاً بأهم المصطلحات والمسميات الجديدة التي وردت في ثنايا البحث. هذا، بالإضافة، بالطبع، إلى قائمة بالمراجع والمصادر.

إن هدفنا من وراء هذه الدراسة هو المساهمة في "إعادة رؤية" نأمل أن يحظى بها النحو العربي، ليس فقط في جانب العلاقة بين حرف الجر والفعل، بل في غاية النحو، ووسائله، وسائر أبوابه، وأن يتصدى لها، ليس فقط نحاة جدد، أو مجددون، بل سائر الفاعلين على صعيد الاستنهاج والإنتاج اللغويين، من الكتاب، في جميع ميادين الكتابة، والصحفيين ورجال الأدب وعلماء اللغة وفقهائها وطلابها وباحثيها ومحبيها. ونحن إذ نأمل أن تساعد مثل هذه الدراسات في تحقيق بعض التجانس ما بين اللغة والكلام، أو بين المنهاج والاستنهاج، فإننا لا نضمر البتة هدفاً غايته "تغيير" في النحو القديم، ولا حتى "تيسير" له؛ فغاية طموحنا هي أن ننفذ، من خلال دراسة واقعنا وماضينا اللغويين، إلى الكيفية الوصفية التي سارت عليها لغتنا في السابق، وتسير عليها في الحاضر، وما ينبغي أن تكون عليه معرفتنا بكل ذلك. فليس من رأينا أن التغيير المبيتة نواياه، أو التيسير الذاتية دوافعه، هما مما ينبغي أن يشتغل به الباحث الألسني أو النحوي؛ فذلك شأن المختصين ببيداغوجيا اللغة، ومن استهدى بتقنياتهم، أو لم يفعل، من أصحاب الإيديولوجيات ورجال السياسة، أو دعاة التغريب/دعاة التأصيل، أو المدفوعين بأغراض شتى. أما الباحث اللغوي فحسبه بحثه ووصفه القائم على التقصي والاستقصاء والتحري والاستنتاج، وفق الأسس العلمية، وما ضره سهل ما سهل أو صعب ما صعب من أمر اللغة. غير أننا نمضي في هذا الجهد مقتنعين بأن الفهم الصحيح لسلوك أصوات اللغة ومفرداتها وتراكيبها، والوصف السليم للكيفية التي تسير عليها اللغة في أداء دورها التواصلي وتأديته، هما الأساس الذي ينبغي أن يرتكز عليه كل من نوى باللغة أمراً من الأمور.

لربما نكون تعرضنا بالنقد لبعض جوانب من التراث العربي النحوي. وليس النقد الموضوعي من التطاول في شيء. إن النحاة وعلماء العربية ومصنفي المعاجم القدماء إنما انصب جل همهم في تحقيق الجوانب النحوية والصرفية والمعجمية، في تلك الحقبة المبكرة من وضع علوم العربية. وإن كانوا عنوا بسياق المفردات شارحين معانيها، مستشهدين بالشعر والقرآن، إلا أنهم ما كانوا ليتوقفوا كثيراً في دراسة سلوك المفردات الدلالي في السياقات غير الاعتيادية، طالما أن التراكيب التي ترد فيها لا تشكل "تحدياً" من وجهة النظر النحوية.  فلهذا السبب لم نجدهم التفتوا كثيراً إلى جانب الوظيفة الدلالية في تلك العلاقة التي تجمع بين الفعل والحرف فتعطينا معنى جديداً. فحرف الجر في "وقف في" و"وقف على" يؤدي نفس الدور النحوي، فلم ينظروا إلى أي فرق آخر ربما كان كامناً وراء ذلك "الشكل المتسق نحوياً". ولربما منعهم من ذلك أيضاً ما سرى بينهم من أن الحرف لا معنىً له قائماً بذاته، لذلك نجدهم نظروا إلى أقسام الكلم نظرة "تراتبية"، وانصرفوا بالتالي في بحثهم إلى الأفعال والأسماء بالدرجة الأولى. لكن، رغم كل هذا الذي سقناه، يجب الاعتراف بأن النحاة القدماء لم يكونوا رجلاً واحداً ولا رأياً واحداً. فإذا نقبنا في أخبارهم، وجدنا من بينهم رجالاً تفرغوا، كأخلص ما يكون التفرغ، لتخصصاتهم؛ وإذا تقصينا آراءهم، وجدناهم قد سبقوا، أو كادوا، إلى معظم ما قد يعنُّ "للمتأخرين" من أمثالنا من مواطن النقد وأوجهه. لذلك فإننا لنمضي إلى القول، مُقِرِّين، بأنّ ما مِنْ جهد في نقد النحو العربي سوف يكون أهلاً للوقوف على قدمين إن لم يُبْنَ على أساس واسع وراسخ من إعادة اكتشاف أولئك الجهابذة، من لدن سيبويه حتى ابن جني، وصعوداً وهبوطاً، في كل ما ألفوه أو قالوه أو نقلوه.

 هذا، ومع لجوئنا كثيراً في هذا البحث إلى كتب التراث، وإفادتنا، في هذا المسعى، مما تذخر به آراء القدماء، إلا أننا لم نضرب صفحاً بالطبع عن الأسس المنهجية التي أرستها الألسنية الحديثة، ولا البحوث المقارنة بين مختلف لغات العالم، ولا اجتهادات النحاة الجدد، من مجددين وتقليديين، ولا نظريات المستشرقين والمستعربين من "نحاة العربية الناطقين بغيرها"، ولا الملاحظات العميقة في ديناميكية عمل لغتنا العربية في شتى مظان نتاجها: في مستوياتها الأفقية: العامة والعامية والأدبية والمتخصصة (العلمية والقانونية والإعلامية...الخ)، وفي مستوياتها الرأسية، من حيث تباين لهجاتها الإقليمية والوطنية والمحلية، وفي وسائل توصيلها: الشفهية (المحادثة)، والرمزية (الكتابة)؛ ومظان منهاجها: في علومها (علم الأصوات، والصرف، والنحو، والدلالة، والأسلوب، والبلاغة...)، وفي الترجمة منها وإليها، وفي تعليمها.

سائلين الله التوفيق وتجنيبنا الزلل، و أن يقيض لمثل هذه المسعى مَن يوفي ما نكون قصّرنا فيه، ويبلغ به غايته، فلغتنا عقلنا وقلبنا قبل أن تكون لساننا.

الريح عبد القادر عثمان
صنعاء، رمضان 1427




[1]  "نظر إلى" عبارة عامة مكونة من دالين منفصلين وتدل على إلقاء النظر بمعناه الاعتيادي ("نظر" تدل على "إلقاء النظر" و "إلى" أداة تمكن للتعدية غير المباشرة فيما تشير إلى اتجاه حركة الفعل ومن ثم إلى مكان وقوعه)؛ أما "نظر في" فعبارة اصطلاحية اتحد فيها الفعل والحرف ليدلا، بالتضامن، على معنى الدرس والفحص (و/أو التشاور) للخروج برأي "علمي" أو بقرار "إداري"، حسب اقتضاء السياق.
[2]  القرآن، سورة الكهف (18)، الآية 100.
[3]  لأغراض هذا البحث، سوف نستخدم كلمة "مسايق"، أي مجاور في السياق النصي، كمصطلح دلالي مؤقت يشير إلى أي من مفردات الجوار السياقي في علاقته دلالياً بمجاوره، بغض النظر عن طبيعة الإسناد بينهما (فاعل، مفعول، مجرور) أو الحالة الإعرابية (مرفوع، منصوب، مجرور).
[4]  انظر الملحق رقم 1، الذي يحتوي على المئات من أفعال العبارة القديمة والحديثة.
[5]  تحتوي ملاحق الكتاب على المئات من أفعال العبارة.
[6]  لم نلق كبير بال، في هذا البحث، لورود أفعال قليلة مع "دون" و"بين"، وهما المصنفتان تقليدياً في عداد الظروف وليس ضمن حروف الجر. والسبب في ذلك هو أن الظروف نفسها يعود كثير من النحاة فيدخلونها في القسم الثالث من أقسام الكلم، أي قسم الحروف. ولا شك أن الخوض في أقسام الكلام ليس من اختصاص هذا البحث.
[7]  عمدنا، بالتحليلٍ المُمْعَنٍ لرؤية دو سوسور، إلى النظر إلى اللغة ضمن زوجين من المستويات:
أولاً: (على صعيد المجتمع الناطق) مستويا المنهاج والنتاج: ما بين اللغة كمنهاج، أي بوصفها نظاماً لشفرة تواصل، مستقلاً وخارجياً ومترفعاً، يكون بمثابة العقد المقدس أو المرجع التفصيلي المحفوظ، من جهة، وبين الكلام كنتاج، من جهة ثانية، أي حاصل ما قد أنتجه المجتمع الناطق من الكلام المستهدي بالمنهاج؛
ثانياً: (على صعيد الفرد الناطق) مستويا الاستنهاج والإنتاج: ما بين مستوى الاستنهاج لدى الفرد الواحد (أي الحصيلة من اللغة، المنهاج، التي اكتسبها الفرد وخزنها في وعيه ولاوعيه لكي تكون أداته في ما ينتجه من كلام) ومستوى الإنتاج لديه، أي الكلام الذي ينتجه الفرد الواحد (مقارنةً بملكة الاستنهاج لديه من جهة، ومقارنة بكلٍ من النتاج والمنهاج من جهة ثانية). إذن، نلاحظ هنا إمكانية المقارنة الأفقية بين المستويات: منهاج/نتاج (تمثُّل اللغة في كلام الناطقين بها) واستنهاج/إنتاج (مقدرة الفرد على استخدام الحصيلة التي اكتسبها من اللغة في إنتاجه اللغوي) وكذلك المقارنة الرأسية: ما بين المنهاج في الأعلى والاستنهاج في الأسفل (مقدرة الفرد الواحد على التفاعل مع النموذج) وما بين النتاج والإنتاج (خصوصية إنتاج الفرد في مقابل النتاج اللغوي لمجتمعه). ونلاحظ أيضاً أن الاستنهاج هو مُصَغَّر المنهاج، وأن الإنتاج هو مصغر النتاج.

[8]  وصلنا من خلال رصد البحث الألسني في العربية إلى قناعة مفادها أنه يتحتم علينا ترجمة مصطلحي دو سوسور (Diachronie/Synchronie) بلفظين عربيين غير مركبين يكونان قابلين للاشتقاق، فاقترحنا "السبوق" للأول و"الرهون" للثاني.